حين يشتد الوجع
لا نذهب إلى طبيب الأسنان إلا حين يشتد الوجع.
نعرف أن الفحص الدوري أرخص، وأن الألم الصغير اليوم أهون من العلاج الكبير غدًا، ومع ذلك ننتظر.
والعائلات تفعل الشيء نفسه مع شركاتها.
المركز الوطني للمنشآت العائلية موجود، والميثاق الاسترشادي الذي أصدرته وزارة التجارة متاح لكل عائلة، ونظام الشركات أعطى العائلات أدوات لم تكن موجودة من قبل. ومع ذلك، أغلب من يطرق هذا الباب يطرقه متأخرًا:
بعد وفاة المؤسس، أو بعد أول خلاف بين الإخوة، أو بعد أن يطلب أحد الورثة أن يتخارج.
وفي هذه اللحظة، لا يعود الميثاق دستورًا تتفق عليه العائلة، بل يصير هدنة يتفاوض عليها أفرادها.
المسافة بين جيلين
أعمق ما يفرّق العائلات ليس المال وحده، بل أبعاد عدة، أهمها اللغة. فكل جيل يتكلم لغة لا يفهمها الآخر، وهنا تبدأ المسافة.
التنظير والممارسة.
الجيل الأول بنى الشركة بيده. لم يقرأ عن الحوكمة، لكنه مارسها بطريقته. والجيل الثاني جاء بشهادات ومصطلحات ونماذج، لكنه لم يقف في المستودع ليفاوض مورّدًا على إعادة جدولة السداد.
الأول يرى في الثاني كلامًا بلا تجربة، والثاني يرى في الأول تجربة بلا منهج.
الخبرة والمعلومة الجديدة.
المؤسس يعرف السوق كما كان، ويعرف الناس كما عرفهم. والابن يعرف أدوات لم تكن موجودة، وأسواقًا لم يرها من قبله.
كلاهما على حق في جزء، وكلاهما أعمى عن الجزء الآخر.
نص النظام وروح النظام.
الجيل الجديد يقرأ النص: ماذا تقول المادة، وما الذي يحق لي. وقد يكون محقًا في كل حرف. لكن الحق الذي يُطالَب به في غير وقته، أو بأكبر من وزنه، يكسب البند ويخسر العائلة.
والجيل الأول يقرأ النظام بعين أخرى: لماذا وُضعت القاعدة، وما الذي تحميه، ومتى يكون السكوت عن حق أنفع من المطالبة به. والخلاف الذي يبدأ بالنص لا ينتهي بالنص، لأن النص لم يكن هو المشكلة.
المؤسس يقول: هكذا نعمل. والابن يقول: هذا ليس حوكمة.
وكلاهما يتكلم عن الشيء نفسه.
الميثاق لا ينتصر لجيل على جيل، بل هو المكان الذي يترجم فيه كل جيل لغته للآخر.
الوسيلة والغاية
في كثير من الخلافات العائلية التي نراها، لا يكون الخلاف على الغاية.
الجميع يريد أن تبقى الشركة وتنمو.
في الغالب يكون الخلاف على الوسيلة: من يدير، ومن يوقّع، ومن يرأس القرار.
وقد يكون التمسك بالوسيلة حرصًا صادقًا، وقد يكون صاحبه محقًا فيه.
لا أحد يستطيع أن يجزم بما في النفوس.
لكن ما نستطيع أن نراه، أن الخلاف على الطريق قد يطول حتى ننسى إلى أين كنا ذاهبين.
ومهما كان الدافع، فترك الوسيلة مؤلم.
المقعد الذي نجلس عليه طويلًا يصبح مع السنين جزءًا من الطريقة التي نعرف بها أنفسنا.
ولهذا لا يكون القيام منه قرارًا إداريًا، بل تنازلًا عن شيء من الهوية. وهذا صعب على كل من جلس. وحين أتخيل نفسي في هذا الموقف، لا أظنه سيكون سهلًا.
العائلة التي تختلف على الوسائل تستنزف نفسها، والعائلة التي تتفق على الغاية تستطيع أن تراهن على النتائج.
ولهذا، أول ما يجب أن يحدده الميثاق ليس من يدير، بل ما الذي نريده من الشركة، وكيف نقيس أننا وصلنا.
والعائلة التي تبدأ بالوسائل، تحصر الشركة في حدود ما تملكه اليوم من قدرات، وما تعرفه، وما ترتاح له، فتحقق ما تسمح به الوسائل، لا ما تستطيع الشركة تحقيقه.
أما حين تبدأ بالنتيجة، فتسأل: ما الذي يمكن أن تصل إليه هذه الشركة؟ ثم تختار الوسيلة والفريق اللذين يوصلانها، أيًّا كانا.
العائلة أم الشركة
هناك حساب لا يكتبه أحد في الميثاق، لكنه يحكم مستقبله.
في الجيل الأول، قد تُقسم الأرباح على أربعة. وفي الجيل الثاني، على عشرين. وفي الثالث، على ثمانين. فإن بقيت الأرباح كما هي، صار نصيب الفرد في الجيل الثالث جزءًا من عشرين مما كان عليه في الأول.
لكن الأرقام المطلقة لا تكشف المشكلة كاملة. ما يكشفها هو مقارنة رقمين:
العائد على حقوق الملكية = صافي ربح الشركة ÷ حقوق الملكية.
يقول لك: كم يصنع كل ريال من رأس مال العائلة داخل الشركة؟
عائد التوزيعات على حصتك = ما تستلمه فعلًا من توزيعات ÷ قيمة حصتك من حقوق الملكية.
يقول لك: كم يصلك أنت من هذا الريال؟
ومن تجربتي، هنا تبدأ أغلب الخلافات الصامتة.
فرد في العائلة، مثلًا، تساوي حصته من حقوق الملكية خمسة ملايين، ويستلم كل سنة مئة وخمسين ألفًا.
عائده الفعلي ثلاثة في المائة. على الورق يملك ثروة، وفي يده أقل مما قد يجنيه لو أخذ حصته واستثمرها في بديل آمن.
فيبدأ يسأل السؤال الذي لا يُقال بصوت عالٍ: لماذا أبقى؟
والجواب في الرقم الآخر. فإن كانت الشركة تحقق اثني عشر في المائة على حقوق ملكيتها، فتسعة من كل اثني عشر لم تضع. هي باقية في الشركة باسمه، تنمو، لكنه لا يراها. وهنا المشكلة مشكلة وضوح، لا مشكلة مال. أما إن كانت الشركة نفسها لا تحقق أكثر من أربعة، فسؤاله مشروع، والمشكلة ليست في التوزيع، بل في الشركة.
معادلة الاستدامة
وهناك رقم ثالث يكشف إلى أين تتجه الشركة:
معدل النمو المستدام = العائد على حقوق الملكية × نسبة الأرباح التي تُعاد إلى الشركة.
في المثال السابق، شركة تحقق اثني عشر في المائة وتوزع ربعها، تعيد تسعة إلى نفسها، فتنمو تسعة في المائة سنويًا. أما شركة عائدها عشرة في المائة وتوزع ثمانين في المائة من أرباحها، فلا تستطيع أن تنمو بأكثر من اثنين في المائة سنويًا من مواردها الذاتية. فإن كانت العائلة تنمو بأسرع من ذلك، فنصيب كل فرد يتآكل كل سنة، حتى لو بدت الشركة ناجحة.
وهنا المأزق الحقيقي: العائلة تطلب توزيعات أكثر لأن نصيب الفرد صغير. والتوزيعات الأكثر تبطئ نمو الشركة، فيصغر نصيب الفرد أكثر.
كل ريال يخرج من الشركة اليوم، هو ريال لن ينمو ليكفي العائلة غدًا.
ولهذا، الميثاق الذي يعيش يجيب عن هذه المعادلة قبل أن يفرضها الواقع: كم نوزع، وكم نعيد استثماره؟ وهل نفصل بين ما يأخذه الفرد لأنه مالك، وما يأخذه لأنه يعمل؟ ومن يريد نصيبه كاملًا، كيف يخرج دون أن يهدم البناء؟
والسؤال الذي يحسم كل هذا: هل الشركة موجودة لتخدم العائلة، أم العائلة موجودة لتحفظ الشركة؟
العائلة تكتب ميثاقها في الوقت الخطأ
حين تكتب العائلة ميثاقها وهي متفقة، تتجنب البنود الصعبة وتجامل فيها:
كيف تُقيَّم حصة من يريد الخروج؟ من يُبعد عن الإدارة إن لم يؤدِّ؟ متى يتنحى المؤسس نفسه؟ تُكتب كلها بصيغة عامة، لأنه "أصلًا ما يصير بيننا كذا".
ثم يأتي الخلاف، فيفتح الجميع الميثاق، فيجدون الثغرة بالضبط في المكان الذي جاملوا فيه.
المجاملة يوم الكتابة هي الثغرة يوم الخلاف.
وحين تكتبه وهي مختلفة، تكتبه وكل طرف يحاول أن يكسب، لا أن يبني، فيخرج ميثاقًا يحمي اللحظة، ولا يحمي الشركة.
وبين الحالتين، كثيرًا ما تشتري العائلة الحوكمة كمنتج: ميثاق من خمسين صفحة، بلغة الشركات المساهمة، لا يفهمه إلا من صاغه. ثم احتفال، وتوقيع، وصورة جماعية. ثم الدرج. حتى الميثاق الاسترشادي، وهو نقطة بداية ممتازة، يصير قالبًا ميتًا إن نُسخ كما هو. هو يقول لك ما الأسئلة التي يجب أن تجيب عنها، لكنه لا يعرف عائلتك.
الميثاق إطار يحدد كيف نتعامل مع الحقيقة قبل أن تتحول إلى أزمة.
الحد الأدنى الذي يجب أن يملكه المستشار
كتابة الميثاق ليست مهمة قانونية. وهذا أكبر سوء فهم رأيته في هذا الملف.
المستشار الذي يكتب ميثاق عائلة يحتاج حدًّا أدنى من معارف متقاطعة، وإن غاب واحد منها، اختل الميثاق كله:
النظام والحوكمة. أن يعرف ما يجيزه نظام الشركات وما يمنعه، فلا يكتب بندًا يسقط أمام أول خلاف.
المال والمحاسبة. أن يعرف كيف تُفصل أموال العائلة عن أموال الشركة، وكيف توزَّع الأرباح دون أن تُستنزف السيولة.
الإدارة والتعاقب. أن يبني قواعد واضحة لمن يقود وبأي معيار، حتى لا تصحو الشركة يومًا على فراغ.
الأوقاف. أن يفهم كيف يمكن للوقف أن يكون جزءًا من استدامة الشركة، لا مجرد عمل خيري بجانبها.
الناس. وهذا أصعبها: أن يقرأ ما وراء الكلام، ويفك الشخصنة بين الأفراد قبل أن تصل إلى التحكيم.
وفوق هذا كله، أن يتكلم اللغتين: لغة المؤسس الذي بنى بالممارسة، ولغة الجيل الذي جاء بالمعرفة. وأن يقف على مسافة واحدة من الجميع. ولهذا لا يكفي المحامي الداخلي مهما كانت نزاهته، فموقعه عند طرف واحد. والمستشار الذي لا يتكلم إلا لغة واحدة، أو يقف عند طرف واحد، سيكتب ميثاقًا لنصف العائلة.
ما لا يُقال في الاجتماعات العامة
في الاجتماع العام، يقول الجميع الكلام الصحيح. والحقيقة لا تظهر هناك، بل تظهر في الجلسات الفردية.
الفرد الذي يطالب بالتقارير والشفافية في كل اجتماع، قد لا يكون سؤاله عن الأرقام أصلًا.
قد يكون خوفًا من أن يُهمَّش، أو رغبة في مكان على طاولة الإدارة لم يجد طريقة ليطلبه.
ولو أجبت عن مطالبته حرفيًا، أعطيته تقارير أكثر، وبقي الخلاف كما هو.
المطالبة بالشفافية قد تكون سؤالًا عن المكان، لا عن الأرقام.
ما أعطاه النظام ولا يعرفه كثيرون
أكثر ما يفاجئني في هذا الملف، أن عائلات كثيرة لا تعرف كم أعطاها نظام الشركات.
فالنظام يسمح بجعل الميثاق العائلي ملزماً ، ما دام لا يخالف النظام ولا عقد التأسيس، فلم يعد مجرد دستور أدبي، بل التزامًا يُطبَّق.
وأجاز أن يتضمن عقد تأسيس الشركة ذات المسؤولية المحدودة، بموافقة شركاء يملكون تسعين في المائة على الأقل من رأس المال، حقاً للأغلبية في إلزام الأقلية بقبول عرض مشترٍ حسن النية لكامل الحصص، بالسعر والشروط نفسها، وحقاً للأقلية في المقابل بأن تُباع حصصها مع الأغلبية إن باعت. فلا يجمّد طرف صغير صفقة تخدم الجميع، ولا يبيع الكبار ويتركون الصغار خلفهم.
وأجاز كذلك تحويل الشركة إلى شكل آخر بقرار وفق قواعد تعديل عقد تأسيسها.
فتستطيع العائلة أن تبدأ بإطار بسيط، تتعلم فيه الحوكمة حتى تصير عادة، ثم تنتقل إلى هيكل أكبر حين تنضج، بدل أن تبدأ بهياكل الشركات المساهمة قبل أوانها.
ومن الممارسات التي رأيتها تحمي الشركات حين يريد أحد أفرادها الخروج: أن يكون للوقف حصة في الكيان العائلي، فيشتري حصص الراغبين في الخروج. فتبقى الملكية داخل العائلة، وتبقى السيولة في الشركة، وتبقى رواتب الموظفين في موعدها.
هذه كلها أدوات، لا حلول. يكتبها من كان ملمّاً بها، لكنها لا ترتقي لأن تكون حلًا حتى تتبناها العائلة. فالميثاق لا يحمي من كتبه، بل من آمن بما كُتب فيه.
في الاخير قبل أن يشتد الوجع
الفحص الدوري لا يحتاج وجعًا، يحتاج أسئلة نطرحها ونحن بخير:
لو اختلف اثنان من أفراد العائلة ، هل يعرف كل منهما ماذا يفعل؟
هل نعرف ما الذي نريده من الشركة، أم نعرف فقط من يديرها؟
كم يصنع ريال العائلة داخل الشركة، وكم يصل منه إلى كل فرد؟
من يريد أن يخرج ، هل يعرف الطريق دون أن يهدم شيئًا؟
فالأنظمة من يقرأ نصها وحده يستخدمها سلاحاً في الخلاف، ومن يفهم روحها يستخدمها ليمنع الخلاف من الأساس.
عبدالعزيز

