أعمل في عالم الكتب منذ عام ٢٠١٢. وأول درس يتعلّمه من يعمل في النشر درسٌ متواضع: القارئ لا يمدح الكتاب الجيّد الإخراج.

لن تسمع قارئًا يقول: «ما أجمل المسافة بين السطور في هذه الرواية!» ولا «ما أريح لون الورق!». هو فقط يقرأ الصفحة الأولى، ثم الثانية، ثم يرفع رأسه بعد ساعة وقد نسي الوقت.

وحين يكون الإخراج سيئًا، لا يشتكي أيضًا. لا يقول: «الهوامش ضيّقة» أو «السطر أطول مما ينبغي». هو فقط يتعب. يغلق الكتاب بعد عشر صفحات، ويظن أن العيب في الكتاب، أو فيه هو.

هذا هو عمل الناشر في الحقيقة. ليس اختيار النصوص فقط، بل صناعة الظروف التي تجعل القراءة ممكنة: الورق، والحرف، والمسافة، والهامش، وطول السطر. مئات القرارات الصغيرة التي لا يراها أحد، لكن غيابها يُحَسّ.

حين بدأت بناء موجز، كان السؤال الذي يشغلني بسيطًا: لماذا نقرأ على الشاشة بطريقة أسوأ مما كنا نقرأ على الورق؟ ولماذا تبدو العربية على كثير من المنصات وكأنها ضيفة غير مرحّب بها؟

هذا المقال عن الجواب الذي نحاول أن نبنيه. عن تفاصيل صغيرة، ربما لن يلاحظها قارئك أبدًا. وهذا بالضبط ما نريده.

ما تعلّمته من الورق

في المطبعة، لا شيء يحدث بالصدفة.

حين تُخرَج رواية، يُسأل عن كل شيء: ما حجم الحرف الذي يُقرأ ساعات دون تعب؟ كم كلمة في السطر قبل أن تضيع العين وهي تعود إلى أوله؟ كم يجب أن يكون الفراغ بين السطور حتى لا تلتصق النقاط بالحروف التي تحتها؟ وأيّ ورق نختار؟

وفي العربية، تصبح هذه الأسئلة أصعب. فالحرف العربي ليس كتلة مستقلة كالحرف اللاتيني، بل جزء من كلمة متّصلة. له أشكال تتغيّر بموقعه، ونقاط فوقه وتحته، وتشكيل قد يرافقه. والسطر العربي يحتاج مسافة أوسع مما يحتاجه السطر اللاتيني، لأن فيه ما يصعد وما ينزل أكثر.

كل هذا يعرفه الخطّاطون منذ قرون، ويعرفه الناشرون العرب جيّدًا. لكن حين انتقلت القراءة إلى الشاشة، ضاع كثير منه في الطريق. صارت المنصات تُبنى للإنجليزية أولًا، ثم «تُدعَم» العربية بقلب اتجاه الصفحة، وترجمة الأزرار، وترك الباقي على حاله.

والباقي، كما يعرف كل من يقرأ بالعربية، هو كل شيء.

الورق أولًا

الفقرة العربية نفسها مرتين: على اليسار فوق أبيض ساطع بحبر أسود حاد، وعلى اليمين فوق ورق كريمي دافئ بحبر كحلي عميق.

انظر إلى رفّ الروايات في أي مكتبة. ستجد أن قليلًا جدًا منها مطبوع على ورق أبيض ناصع. أغلبها على ورق مائل إلى الكريمي أو العاجي.

ليس هذا ذوقًا عابرًا. الأبيض الناصع يعكس الضوء بقوة، والتباين الحاد بينه وبين الحبر الأسود يبدو جميلًا في الصفحة الأولى، لكنه يُتعب في الصفحة الخمسين. والورق الكريمي أهدأ: يخفّف اللمعان، ويجعل القراءة الطويلة أريح للعين. حتى إن جمعيات تُعنى بالقرّاء الذين يجدون صعوبة في القراءة، مثل الجمعية البريطانية لعُسر القراءة، توصي بخلفيات كريمية أو فاتحة بدل الأبيض الصافي.

على الشاشة، صار الأبيض الساطع هو القاعدة. صفحة بيضاء، وحبر أسود، وضوء يخرج من الجهاز مباشرة إلى عينيك.

لهذا، حين تنشر مقالًا على موجز، يُعرض على ورق كريمي دافئ، وبحبر كحلي عميق بدل الأسود الحاد. لن تلاحظ الفرق في الدقيقة الأولى. ستلاحظه، إن لاحظته أصلًا، حين تصل إلى آخر المقال دون أن تشعر بثقله.

ولا ندّعي هنا شيئًا أكبر من ذلك. لا نقول إن الورق الكريمي يحمي صحة العين، ولا إنه علاج لشيء. نقول فقط ما يعرفه كل ناشر: إنه أريح في القراءة الطويلة. وهذا يكفي.

حرفٌ لا يميل

في الإنجليزية، الخط المائل أداة قديمة وجميلة للتأكيد. تُميل كلمة واحدة، فيفهم القارئ أنها مهمّة.

لكن العربية لم تُصمَّم لتميل. الخطوط العربية في أغلبها ليس لها نسخة مائلة أصلًا. وحين يطلب المحرّر «خطًا مائلًا» من خط لا يملكه، لا يرفض المتصفح الطلب، بل يقوم بشيء أسوأ: يُميل الحروف بالقوة، كما لو أنه يدفع الكلمة من جانبها. فتتكسّر الوصلات بين الحروف، وتبدو الكلمة كأنها انزلقت عن السطر.

ربما رأيت هذا من قبل دون أن تعرف سببه: كلمة عربية في مقال تبدو «غريبة»، مكسورة قليلًا، كأن أحدًا عبث بها.

في موجز، لا نُميل العربية أبدًا، لا على الصفحة ولا في البريد. لهذا، إن ضغطت زر الخط المائل على كلمة عربية فلن تراها تميل، وهذا مقصود. وإن أردت التأكيد على كلمة، فالخط العريض يؤدي المهمة دون أن يكسر الحرف. قد يبدو هذا قرارًا صغيرًا، لكنه في الحقيقة احترام بسيط لطريقة كُتبت بها هذه اللغة منذ أكثر من ألف عام.

مسافة تتنفّس فيها الحروف

في التصميم الحديث، يحبّ المصمّمون أن يضغطوا حروف العناوين قليلًا، فيقرّبوها من بعضها لتبدو العناوين أكثر أناقة وتماسكًا. في الحروف اللاتينية ينجح ذلك غالبًا، لأن كل حرف قائم بذاته.

أما في العربية، فالحروف متّصلة أصلًا. وحين تُضغَط، لا تتقارب، بل تتداخل وتنكسر وصلاتها. فيتحوّل العنوان الذي أردته أنيقًا إلى كتلة مزدحمة.

لهذا نترك العناوين العربية على موجز بمسافتها الطبيعية، ونعطي السطور العربية مسافة أوسع بينها، ضعف ارتفاع الحرف تقريبًا، حتى تجد النقاط والتشكيل مكانها دون أن تلتصق بالسطر الذي تحتها.

وخطوط النسخ تحتاج عناية خاصة. فهي من أجمل ما في الحرف العربي، لكنها تبدو أصغر من الخطوط الحديثة حتى لو كان حجمهما واحدًا في الإعدادات. يعرف المخرجون هذا جيدًا، فيكبّرون النسخ قليلًا في الكتب. ونفعل الشيء نفسه: إن اخترت خطّ نسخ لمنشورك، نعرضه بحجم أكبر قليلًا، حتى يُقرأ بالراحة نفسها.

التشكيل ليس زينة

بيتٌ من الشعر مشكول بالكامل كما كتبه الكاتب، يصل إلى شاشة بريد على الهاتف والتشكيل في مكانه، بمسافة مريحة بين السطور.

حين يكتب أحدهم بيتًا من الشعر، أو آية، أو كلمة يُخشى أن تُقرأ خطأً، فإنه يشكّلها. التشكيل في العربية ليس زينة، بل جزء من المعنى أحيانًا.

لكن التشكيل من أوّل ما يضيع في الطريق إلى القارئ. بعض الأدوات تحذفه، وبعضها يُزيحه عن مكانه، وبعضها يرسمه فوق حرف غير حرفه. وأصعب الطرق كلها هي الطريق إلى صندوق البريد، لأن كل برنامج بريد، من Gmail إلى Outlook إلى Apple Mail، يعرض العربية بطريقته الخاصة.

لهذا، حين تحمل نشرتك تشكيلًا، يوسّع موجز المسافة بين سطورها تلقائيًا، حتى تجد الحركات مكانها ولا تلتصق بالسطر الذي فوقها.

وفي البريد مشكلة أخرى يعرفها كل من أرسل نشرة عربية: Gmail لا يحمّل الخطوط التي تختارها. تختار خطًا جميلًا لعنوانك، فيصل إلى قارئك بخط النظام العادي. لهذا أضفنا خيارًا يرسم عناوين نشرتك كما تظهر بخطّك تمامًا، حتى في Gmail.

حين تختلط اللغات

اكتب في نشرتك: «يبدأ البث الساعة 10 PM بتوقيت مكة». في كثير من الأدوات، سيصل إلى قارئك هكذا: «يبدأ البث الساعة PM 10 بتوقيت مكة». الرقم انفصل عن الكلمة التي معه، وقفز إلى الجهة الأخرى.

وليس في ذلك خطأ من الكاتب. كل ما يحدث أن عبارة إنجليزية تبدأ برقم جلست داخل سطر عربي، فاختلط على المتصفح اتجاه الكتابة، فرتّب الكلمات كما يظن هو، لا كما أراد الكاتب.

وهذا يحدث لكل كاتب عربي كل يوم تقريبًا: موعد بالإنجليزية في منتصف جملة، أو اسم كتاب، أو رقم إصدار، أو مصطلح تقني. فتتبعثر الجملة: الكلمة في مكان، ورقمها في مكان آخر، والقارئ يعيد قراءة السطر مرتين.

في موجز، نعزل كل كلمة لاتينية داخل السطر العربي، على الصفحة وفي البريد معًا، فتبقى في مكانها، ويبقى السطر العربي عربيًا. وتستطيع أن تحدّد اتجاه كل فقرة وحدها إن احتجت. والفاصلة الإنجليزية تتحوّل وأنت تكتب إلى فاصلة عربية «،»، وعلامة الاستفهام إلى «؟»، والأرقام تكتبها كما تحب: ١٢٣ أو 123، وتحوّلها كلها بضغطة واحدة.

تفاصيل صغيرة؟ نعم. لكن جرّب أن تكتب مقالًا من ألفي كلمة دونها.

رابطٌ لا تعتذر عنه

حين تنسخ رابط مقال عربي من كثير من المنصات، تحصل على شيء من هذا القبيل:

‎%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D9%81%D9%8A…‎

سطر طويل من الرموز قد يتجاوز مئة وثلاثين حرفًا، لأن العنوان العربي يتحوّل في الرابط إلى رموز لا يقرؤها أحد. تلصقه في رسالة لصديق، فيبدو كأنه رابط مشبوه.

على موجز، لكل مقال رابط قصير ونظيف يبدأ باسم نشرتك، مثل: ‎mujaz.io/@somar-kawkabi/gttf‎ تستطيع أن ترسله في رسالة، أو تضعه في تغريدة، أو تكتبه في سيرتك، دون أن تعتذر عنه.

ولأن أغلب القراء العرب يقرؤون على هواتفهم، صمّمنا أزرار الإعجاب والمشاركة أسفل كل رسالة بحيث لا تتكسّر على الشاشات الصغيرة، فلا يصل صفّها مبعثرًا على سطرين.

لماذا كل هذا؟

قد يسأل أحدهم: هل يستحقّ كل هذا العناء؟ القارئ لن يلاحظ أن الحرف لم يمِل، ولا أن التشكيل في مكانه، ولا أن الرقم لم يقفز.

وهو محقّ. لن يلاحظ.

لكن هذا هو جوهر ما تعلّمته من الكتب: القارئ لا يلاحظ الإخراج الجيد، لأنه لا يتعثّر به. يلاحظ فقط حين يغيب. والفرق بين مقال يُقرأ حتى آخره ومقال يُغلَق بعد الفقرة الثالثة، كثيرًا ما يكون في هذه التفاصيل التي لا يذكرها أحد.

اليوم، تقول كل منصة إنها «تدعم العربية». و«الدعم» في الغالب خانة في قائمة المزايا: الصفحة تنقلب، والأزرار تُترجَم، والعمل ينتهي هنا.

أما أن تُبنى المنصة للقارئ العربي، فهذا شيء آخر. هو أن تسأل الأسئلة التي يسألها الناشر: كيف سيقرأ هذا الإنسان؟ على أي شاشة؟ في أي ضوء؟ وما الذي سيتعبه دون أن يعرف؟

ما زال أمامنا الكثير، وما زلنا نكتشف كل أسبوع تفصيلًا صغيرًا آخر. لكن هذه طبيعة الحرفة: لا تكتمل مرة واحدة، بل تتحسّن صفحةً بعد صفحة.

إن كنت كاتبًا، فكل ما أتمنّاه أن تكتب على موجز وتنسى المنصة. أن تفكّر في فكرتك وجملتك وقارئك، لا في الخط الذي انكسر أو الرابط الذي طال.

وإن كنت قارئًا، فأتمنّى ألّا تلاحظ شيئًا من هذا كله. أن تقرأ المقال حتى آخره، وترسله لصديق، وتعود في الأسبوع التالي.

هكذا يعرف الناشر أنه أحسن عمله.

سومر كوكبي
مؤسس موجز