قبل أيام، كنت أراجع صفحة على موجز، فلاحظت شيئًا صغيرًا: عبارة «11 دقيقة قراءة» ظهرت مقلوبة، هكذا: «min read 11». الرقم قفز إلى آخر السطر، لأن النص الإنجليزي جلس داخل بطاقة عربية، فاختلط اتجاه الكتابة.
وفي اليوم نفسه، اكتشفنا أن العناوين العربية في صفحاتنا الإنجليزية كانت تُرسم بخط Arial، لا بالخط الذي اخترناه. لم يكن خطأً في الكود بالمعنى المعتاد، بل تفصيلًا في طريقة تحميل الخطوط على المتصفح، لا يراه إلا من يقرأ العربية.
أكثر من ٤٠٠ مليون إنسان يتكلمون العربية، في أكثر من عشرين دولة. ومع ذلك، حين يريد كاتب عربي أن يبدأ نشرة بريدية، يجد نفسه أمام خيارين: أدوات عالمية ممتازة، لكنها صُمّمت بالإنجليزية أولًا ثم «تُرجمت» إلى العربية، أو أدوات عربية لا تزال في بداياتها.
فلماذا لا تلتفت الشركات العالمية إلى هذا السوق الكبير؟ بعد سنتين من البناء، هذا ما تعلّمته.

١. لأنها تترجم، ولا تبني
حين تضيف شركة عالمية «دعم العربية»، فهي في الغالب تترجم الواجهة وتقلب اتجاه الصفحة. يبدو الأمر منجزًا على الشاشة، لكنه ينكسر عند أول استعمال حقيقي: علامات الترقيم تقفز إلى الجهة الخاطئة، والأرقام تختلط بالنص، والجداول تُقرأ بالمقلوب، والتشكيل يتشوّه في البريد.
اللغة العربية ليست ترجمة لواجهة إنجليزية. هي طريقة كاملة في الكتابة والقراءة، تحتاج أن تُبنى من الأساس.

٢. لأن الاتجاه من اليمين لليسار ليس زرًّا
يظن كثيرون أن دعم العربية يعني تغيير اتجاه الصفحة. لكن الاتجاه يمسّ كل طبقة: المحرر الذي تكتب فيه، والبريد الذي يصل إلى Gmail وOutlook وApple Mail، وكل واحد منها يعرض العربية بطريقته، والصفحة العامة، وحتى طريقة قص النص في المعاينة.
كل طبقة من هذه تحتاج عملًا هندسيًا حقيقيًا. وشركة لا يمثّل القارئ العربي إلا جزءًا صغيرًا من إيراداتها، لن تضع هذا العمل في أول خطتها.

٣. لأن الفريق لا يرى المشكلة
الخط الذي تحوّل إلى Arial لم يلحظه أي اختبار آلي. لاحظته عين تقرأ العربية كل يوم.
حين لا يكون في الفريق من يقرأ اللغة، تبقى الأخطاء غير مرئية. ليس عن إهمال، بل لأنك لا تستطيع إصلاح ما لا تراه. لهذا يبقى «دعم العربية» في كثير من الأدوات العالمية نصف مكتمل لسنوات.

٤. لأن السوق مجزّأ، ويبدو صغيرًا من بعيد
العالم العربي ليس سوقًا واحدًا. عشرون دولة وأكثر، بعملات مختلفة، وطرق دفع مختلفة، وأنظمة مختلفة. في السعودية مثلًا يدفع الناس بمدى وApple Pay، ويقسّطون عبر تابي وتمارا، وهذه ليست الطرق التي تُبنى حولها المنصات العالمية عادة.
ومن بعيد، يبدو اقتصاد صنّاع المحتوى العربي صغيرًا. فتنتظر الشركات أن يكبر السوق أولًا، والسوق لا يكبر لأن أدواته ناقصة. حلقة مغلقة.

٥. لأن الثقافة مختلفة، لا اللغة فقط
القارئ العربي يكتب باللهجة أحيانًا وبالفصحى أحيانًا، ويقرأ على هاتفه أكثر من أي جهاز آخر، ويثق بالتوصية الشخصية أكثر من الإعلان. ومن يكتب له يحتاج أدوات تفهم هذا السياق، لا قوالب صُمّمت لقارئ في نيويورك أو لندن.
لماذا أرى في هذا فرصة؟
لأن ما تراه الشركات العالمية تكلفة، نراه نحن الأساس.
في موجز، لا نترجم شيئًا. نبدأ من العربية: محرر يفهم الاتجاه في كل سطر، وخطوط عربية تصل إلى بريد القارئ كما اخترتها، وتشكيل لا يتشوّه، وصفحة عامة تليق بما تكتبه. وحين نُضيف الإنجليزية، فإنها تأتي ضيفًا على منصة عربية، لا العكس.
ونعرف أن الطريق طويل. ما زلنا نكتشف تفاصيل صغيرة كل أسبوع، مثل الرقم الذي قفز إلى آخر السطر. لكن الفرق أننا نراها، لأننا نقرأ بالعربية كل يوم، ونكتب بها، ونبني لها.
٤٠٠ مليون قارئ لا يحتاجون نسخة مترجمة من أدوات غيرهم. يحتاجون أدوات تُبنى لهم.
وإن كنت كاتبًا عربيًا تفكّر في نشرتك الأولى، أو تكتب الآن على منصة لا تفهم لغتك، فيسعدني أن نتحدث.
سومر كوكبي
مؤسس موجز



